فهرس الكتاب
تمنيهم ذلك: {لا جَرَمَ} أي حقًا لا بد منه {أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} أي يوم القيامة {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون وهذا كقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} . وعن قتادة أيضا: مفرطون أي معجلون إلى النار من الفرط, وهو السابق إلى الورد, ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها أي يخلدون.)
{تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَاللّهُ أَنْزَلَ مِنَ الْسّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}
يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلًا فكذبت الرسل, فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة فلا يهيدنك تكذيب قومك لك, وأما المشركون الذين كذبوا الرسل فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه. {فَهُوَ وَلِيّهُمُ الْيَوْمَ} أي هم تحت العقوبة والنكال, والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصا ولا صريخ لهم, ولهم عذاب أليم. ثم قال تعالى لرسوله: إنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه ؟ فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه {وَهُدًى} أي للقلوب {وَرَحْمَةً} أي لمن تمسك به {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وكما جعل سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها, كذلك يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي يفهمون الكلام ومعناه.
{وَإِنّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نّسْقِيكُمْ مّمّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشّارِبِينَ وَمِن ثَمَرَاتِ النّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
يقول تعالى: {وَإِنّ لَكُمْ} أيها الناس {فِي الأنْعَامِ} وهي الإبل والبقر والغنم {لَعِبْرَةً} أي لآية ودلالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه {نّسْقِيكُمْ مّمّا فِي بُطُونِهِ} أفردها ههنا عودًا على معنى النعم, أو الضمير عائد على الحيوان, فإن الأنعام حيوانات أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان, وفي الآية الأخرى مما في بطونها, ويجوز هذا وهذا, كما في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} وفي قوله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ} أي المال.
وقوله: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا} أي يتخلص اللبن بياضه وطعمه وحلاوته, ما بين فرث ودم في باطن الحيوان, فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته, فيصرف منه دم إلى العروق, ولبن إلى الضرع, وبول إلى المثانة, وروث إلى المخرج, وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به. وقوله: {لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} أي لا يغص به أحد, ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابًا للناس سائغًا ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب, وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه, ولهذا امتن به عليهم فقال: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} دل على إباحته شرعا قبل تحريمه, ودل على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ من العنب, كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء, وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل, كما جاءت السنة بتفصيل ذلك, وليس هذا موضع بسط ذلك.
كما قال ابن عباس في قوله: {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} السكر ما