فهرس الكتاب
السنوت الشبت. وقال آخرون: بل هو العسل الذي في زقاق السمن, وهو قول الشاعر:
هم السمن بالسنوت لا لبس فيهم ... وهم يمنعون الجار أن يقردا
كذا رواه ابن ماجه, وقوله: لا لبس فيهم أي لا خلط. وقوله: يمنعون الجار أن يقردا, أي يضطهد ويظلم, وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامه والاجتناء من سائر الثمار, ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء, لآية لقوم يتفكرون في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها, فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم.
{وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنكُم مّن يُرَدّ إِلَىَ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}
يخبر تعالى عن تصرفه في عباده, وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ثم بعد ذلك يتوفاهم, ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم وهو الضعف في الخلقة, كما قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} الآية, وقد روي عن علي رضي الله عنه: أرذل العمر خمس وسبعون سنة, وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف, وسوء الحفظ وقلة العلم, ولهذا قال: {لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} , أي بعد ما كان عالمًا أصبح لا يدري شيئًا من الفند والخرف, ولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور عن شعيب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو"أعوذ بك من البخل والكسل والهرم, وأرذل العمر وعذاب القبر, وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات"وقال زهير بن أبي سلمة في معلقته المشهورة.
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين عامًا لا أبا لك يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطىء يعمر فيهرم
{وَاللّهُ فَضّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىَ بَعْضٍ فِي الْرّزْقِ فَمَا الّذِينَ فُضّلُواْ بِرَآدّي رِزْقِهِمْ عَلَىَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}
يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء, وهم يعترفون أنها عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك, تملكه وما ملك, فقال تعالى منكرًا عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم, فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم, كما قال في الآية الأخرى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية, قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم, فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني, فذلك قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} وقال في الرواية الأخرى عنه: فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم. وقال مجاهد في هذه الآية: هذا مثل الآلهة الباطلة, وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله, فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه, فتعدلون بالله خلقه وعباده ؟ فإن لم ترض لنفسك هذا, فالله أحق أن ينزه