فهرس الكتاب

الصفحة 1426 من 2760

{إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ}

يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل, وهو القسط والموازنه, ويندب إلى الإحسان, كقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} , وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} , وقال: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} قال: شهادة أن لا إله إلا الله, وقال سفيان بن عيينة, العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملًا, والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته, والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته.

وقوله: {وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} أي يأمر بصلة الأرحام, كما قال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} وقوله: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} فالفواحش المحرمات, والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها, ولهذ قال في الموضع الآخر: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ} وأما البغي فهو العدوان على الناس, وقد جاء في الحديث"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم". وقوله: {يَعِظُكُمْ} أي يأمركم بما يأمركم به من الخير وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقال الشعبي عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} الآية, رواه ابن جرير, وقال سعيد عن قتادة قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} الآية ليس من خلق حسن, كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به, وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم, إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها. (قلت) ولهذا جاء في الحديث"إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها".

وقال الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة: حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي, حدثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم, حدثنا الحسن بن داود المنكدري, حدثنا عمر بن علي المقدمي عن علي بن عبد الله بن عمير, عن أبيه, قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأيته, فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه, قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه, فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي, وهو يسألك من أنت, وما أنت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله, وأما ما أنا ؟ فأنا عبد الله ورسوله"قال: ثم تلا عليهم هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} الآية, قالوا: اردد علينا هذا القول, فردده عليهم حتى حفظوه, فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه, فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطًا في مضر ـ أي شريفًا ـ وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها, فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق, وينهى عن ملائمها, فكونوا في هذا الأمر رؤوسًا ولا تكونوا أذنابًا, وقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر, حدثنا عبد الحميد, حدثنا شهر, حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالس إذ مر به عثمان بن مظعون, فكشر إلى رسول الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا تجلس ؟ فقال: بلى, قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله, فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء, فنظر ساعة إلى السماء, فأخذ يضع بصره حتى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت