فهرس الكتاب

الصفحة 1428 من 2760

ذلك, والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي, حدثنا عبد الله بن موسى, أخبرنا أبو ليلى عن فريدة في قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} قال: نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم, كان من أسلم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام, فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا صخر بن جويرية عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد, ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله, وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان, وإن من أعظم الغدر ـ إلا أن يكون الإشراك بالله ـ أن يبايع رجل رجلًا على بيعة الله ورسوله, ثم ينكث بيعته, فلا يخلعن أحد منكم يدًا ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر, فيكون صيلم بيني وبينه"المرفوع منه في الصحيحين. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن عباس عن أبيه, عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به, فهو كالمدلي جاره إلى غير منفعة".

وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها. وقوله {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} قال عبد الله بن كثير والسدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده, وهذا القول أرجح وأظهر سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. وقوله: {أَنْكَاثًا} يحتمل أن يكون اسم مصدر, {نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} أي أنقاضًا, ويحتمل أن يكون بدلًا عن خبر كان أي لا تكونوا أنكاثًا جمع نكث من ناكث, ولهذا قال بعده: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} أي خديعة ومكرًا {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم, فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم, فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى, إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه, فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى.

وقد قدمنا ـ ولله الحمد ـ في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد, فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم, وهم غارون لا يشعرون, فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها"فرجع معاوية رضي الله عنه بالجيش, قال ابن عباس: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي أكثر, وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز, فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز, فنهوا عن ذلك وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه. وقوله: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ} قال سعيد بن جبير: يعني بالكثرة, رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر.

وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَلاَ تَتّخِذُوَاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسّوَءَ بِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت