فهرس الكتاب
اذهب بها اذهب بها ... طوقتها طوق الحمام
قال قتادة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا عدوى ولا طيرة, وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه"كذا رواه ابن جرير, وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلًا, فقال: حدثنا الحسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"طير كل عبد في عنقه".
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق, حدثنا عبد الله, حدثنا ابن لهيعة, حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه, يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته, فيقول الرب جل جلاله: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت"إسناده جيد قوي, ولم يخرجوه. وقال معمر عن قتادة: {أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} قال عمله {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال: نخرج ذلك العمل {كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} قال معمر, وتلا الحسن البصري {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك, ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك, فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك, وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك, فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك, حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا, اقرأ كتابك الآية, فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك, هذا من أحسن كلام الحسن, رحمه الله.
{مّنِ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولًا}
يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق, واقتفى أثر النبوة, فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه, {وَمَن ضَلّ} أي عن الحق, وزاغ عن سبيل الرشاد, فإنما يجني على نفسه, وإنما يعود وبال ذلك عليه, ثم قال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} أي لا يحمل أحد ذنب أحد, ولا يجني جان إلا على نفسه, كما قال تعالى: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} ولا منافاة بين هذا وبين وقوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} , وقوله: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم, وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك, ولا يحمل عنهم شيئًا, وهذا من عدل الله ورحمته بعباده, وكذا قوله تعالى: {وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولًا} إخبار عن عدله تعالى, وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه, كقوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} وكذا قوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} وقال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه, ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .