فهرس الكتاب

الصفحة 1485 من 2760

{ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} أي خير ثوابًا وأحسن عاقبة. وابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم, هذا المكيال, وهذا الميزان, قال: وذكر لنا أن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان يقول:"لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله, إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك".

{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا}

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لا تقل. وقال العوفي: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم. وقال محمد بن الحنفية: يعني شهادة الزور. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر, وسمعت ولم تسمع, وعلمت ولم تعلم, فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله, ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال, كما قال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وفي الحديث"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث". وفي سنن أبي داود"بئس مطية الرجل زعموا"وفي الحديث الآخر"إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا". وفي الصحيح"من تحلم حلمًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل".

وقوله: {كُلّ أُولئِكَ} أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد {كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة, وتسأل عنه عما عمل فيها, ويصح استعمال أولئك مكان تلك, كما قال الشاعر:

ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام

{وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلّ ذَلِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا}

يقول تعالى ناهيًا عباده عن التجبر والتبختر في المشية {وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا} أي متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين {إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ} أي لن تقطع بمشيك, قاله ابن جرير, واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج:

وقاتم الأعماق خاوي المخترقن

وقوله: {وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك, بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده, كما ثبت في الصحيح"بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما, إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة"وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته, وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض, وفي الحديث"من تواضع لله رفعه الله, فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير, ومن استكبر وضعه الله فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير, حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير", وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير, حدثنا حجاج بن محمد عن أبي بكر الهذلي قال بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه ابن الأهيم يريد المنصور, وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه, وانفرج عنها قباؤه, وهو يمشي ويتبختر, إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف, شامخ بأنفه, ثاني عطفه, مصعر خده, ينظر في عطفيه, أي حميق ينظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت