فهرس الكتاب
فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملًا حتى يقولها, وإذا قال: الحمد لله, فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها, وإذا قال: الله أكبر, فهي تملأ ما بين السماء والأرض, وإذا قال: سبحان الله, فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدًا من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح. وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله, قال: أسلم عبدي واستسلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير, حدثنا أبي, سمعت الصّقعب بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار, عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج, أو مزورة بديباج, فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع بن راع ويضع كل رأس بن رأس, فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم مغضبًا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه فقال:"لا أرى عليك ثياب من لا يعقل"ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس, فقال:"إن نوحًا عليه السلام لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال: إني قاص عليكما الوصية آمركما باثنتين, وأنهاكما عن اثنتين, أنهاكما عن الشرك بالله والكبر, وآمركما بلا إله إلا الله فإن السموات والأرض وما فيها لو وضعت لا إله إلا الله عليهما, لقصمتهما أو لفصمتهما, وآمركما بسبحان الله وبحمده, فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء"ورواه الإمام أحمد أيضًا عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن مصعب بن زهير به أطول من هذا وتفرد به.
وقال ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي, حدثنا محمد بن يعلى عن موسى بن عبيدة عن زيد بن أسلم, عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه ؟ إن نوحًا عليه السلام قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله, فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق, وبها يزرق الخلق"قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} إسناده فيه ضعف, فإن الأودي ضعيف عند الأكثرين. وقال عكرمة في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال الأسطوانة تسبح والشجرة تسبح - الأسطوانة - السارية وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه وخرير الماء تسبيحه قال الله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: الطعام يسبح, ويشهد لهذا القول آية السجدة في الحج, وقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح, يعنون من حيوان ونبات.
قال قتادة في قوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه, وقال الحسن والضحاك في قوله {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قالا: كل شيء فيه الروح. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد, حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب, قالا: حدثنا جرير أبو الخطاب, قال كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في طعام, فقدموا الخوان, فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعد, يسبح هذا الخوان ؟ فقال: كان يسبح مرة - قلت: الخوان هو المائدة من الخشب - فكأن الحسن رحمه الله, ذهب إلى أنه لما كان حيًا فيه خضرة كان يسبح, فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه, وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير, أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول, وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين, ثم غرز في كل قبر واحدة, ثم قال:"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"أخرجاه في الصحيحين, قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال ما لم ييبسا لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة, فإذا يبسا انقطع تسبيحهما, والله أعلم.
وقوله {إِنّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} أي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة بل