فهرس الكتاب

الصفحة 1513 من 2760

قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا, فلما قالوا ذلك, قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم, وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم, وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب, فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم, ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك, ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من عذاب, فو الله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا, ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول, وأيم الله لو فعلت بذلك لظننت أني لا أصدقك, ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه, ولما رأى من مباعدتهم إياه, وهكذا رواه زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس فذكر مثله سواء. وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له, لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه, ولكن علم أنهم إنما يطالبون ذلك كفرًا وعنادًا له, فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أعطيناهم ما سألوا, فإن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين, وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة ؟ فقال:"بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة", كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس والزبير بن العوام أيضًا عند قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفا} . وقال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} .

وقوله تعالى {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} الينبوع: العين الجارية, سألوه أن يجري لهم عينًا معينًا في أرض الحجاز ههنا وههنا وذلك سهل على الله تعالى يسير لو شاء لفعله ولأجابهم على جميع ما سألوه وطلبوا ولكن علم أنهم لا يهتدون كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} وقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} الآية.

وقوله تعالى: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ} أي أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهوي وتدلي أطرافها, فاجعل ذلك في الدنيا وأسقطها كسفًا, أي قطعًا كقوله {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} الآية, وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة, إنه كان عذاب يوم عظيم, وأما نبي الرحمة ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجيلهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا, وكذلك وقع فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى عبد الله بن أمية الذي تبع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال, أسلم إسلامًا تامًا وأناب إلى الله عز وجل.

وقوله تعالى: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو الذهب, وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: أو يكون لك بيت من ذهب {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} أي تصعد في سلم ونحن ننظر إليك {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ} قال مجاهد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت