فهرس الكتاب

الصفحة 1515 من 2760

{وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىَ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مّأْوَاهُمْ جَهَنّمُ كُلّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}

يقول تعالى مخبرًا عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضل له, ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه أي يهدونهم, كما قال: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} وقوله: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} قال الإمام أحمد, حدثنا ابن نمير, حدثنا إسماعيل عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم ؟ قال:"الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم", وأخرجاه في الصحيحين.

وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا الوليد بن جميع القرشي حدثنا أبي الطفيل عامر بن واثلة, عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار, قولوا ولا تحلفوا, فإن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين, وفوج يمشون ويسعون, وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار, فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما, فما بال الذين يمشون ويسعون ؟ قال"يلقي الله عز وجل الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر, حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف ذات القتب فلا يقدر عليها". وقوله: {عُمْيًا} أي لا يبصرون, {وَبُكْمًا} يعني لا ينطقون, {وَصُمًّا} لا يسمعون, وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًا عن الحق, فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه {مّأْوَاهُمْ} أي منقلبهم ومصيرهم {جَهَنّمُ كُلّمَا خَبَتْ} قال ابن عباس: سكنت, وقال مجاهد طفئت, {زِدْنَاهُمْ سَعِيرا} أي لهبًا ووهجًا وجمرًا, كما قال: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} .

{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّ اللّهَ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَىَ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَىَ الظّالِمُونَ إَلاّ كُفُورًا}

يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمي والبكم والصمم جزاؤهم الذي يستحقونه, لأنهم كذبوا {بِآياتِنَا} أي بأدلتنا وحجتنا, واستبعدوا وقوع البعث {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} أي بالية نخرة {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} أي بعد ما صرنا إليه من البلى والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية ؟ فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السموات والأرض, فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك, كما قال: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} الآية,في هذا المقام اضطرب وقال {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إلى آخر السورة. وقال ههنا {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّ اللّهَ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَىَ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} أي يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم. وقوله: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاّ رَيْبَ فِيهِ} أي جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا ومدة مقدرة لا بد من انقضائها, كما قال تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} . وقوله: {فَأَبَىَ الظّالِمُونَ} أي بعد قيام الحجة عليهم {إَلاّ كُفُورًا} إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت