فهرس الكتاب
سقطت فروة وجهه فيه"وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث, عن دراج به, ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين, وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا, قال: وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب, عن ابن لهيعة, عن دراج, والله أعلم."
وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد: عن صفوان بن عمرو, عن عبد الله بن بسر, عن أبي أمامة, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} , قال:"يقرب إليه فيتكرهه, فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه, فإذا شربه قطع أمعاءه, يقول الله تعالى: { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ} . وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا, فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها, فاجتثت جلود وجوههم, فلو أن مارًا مر بهم يعرفهم, لعرف جلود وجوههم فيها, ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون, فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره, فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود, ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة {بِئْسَ الشّرَابُ} أي بئس هذا الشراب, كما قال في الآية الأخرى {وسقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم} وقال تعالى: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} أي حارة, كما قال تعالى: {وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا} أي وساءت النار منزلًا ومقيلًا ومجتمعًا وموضعًا للارتفاق, كما قال في الآية الأخرى {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} ."
{إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ إِنّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مّتّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَآئِكِ نِعْمَ الثّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}
لما ذكر تعالى حال الأشقياء, ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به, وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة, فلهم جنات عدن, والعدن: الإقامة, {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ} أي من تحت غرفهم ومنازلهم, قال فرعون {وهذه الأنهار تجري من تحتي} الآية, {يُحَلّوْنَ} أي من الحلية {فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} وقال في المكان الآخر {وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} وفصله ههنا, فقال {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} فالسندس ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها. وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق.
وقوله: {مّتّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَآئِكِ} الاتكاء قيل الاضطجاع, وقيل التربع في الجلوس وهو أشبه بالمراد ههنا, ومنه الحديث الصحيح"أما أنا فلا آكل متكئًا", فيه القولان: والأرائك جمع أريكة, وهي السرير تحت الحجلة, والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباش خاناة, والله أعلم. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة {عَلَى الأرَآئِكِ} قال: هي الحجال, قال معمر وقال غيره: السرر في الحجال.
وقوله: {نِعْمَ الثّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} أي نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم وحسنت مرتفقًا, أي حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا, كما قال في النار {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} , ثم ذكر صفات المؤمنين, فقال {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} .
وَاضْرِبْ لهُمْ مّثَلًا رّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا