فهرس الكتاب

الصفحة 1541 من 2760

مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبّكَ أَحَدًا

يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام, كما قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} أي تذهب من أماكنها وتزول, كما قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} وقال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} وقال: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} يذكر تعالى أنه تذهب الجبال, وتتساوى المهاد, وتبقى الأرض قاعًا صفصفًا, أي سطحًا مستويًا لا عوج فيه ولا أمتًا, أي لا وادي ولا جبل, ولهذا قال تعالى: {وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً} أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد, ولا مكان يواري أحدًا, بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة {وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً} لا خَمَر فيها ولا غيابة قال قتادة: لا بناء ولا شجر.

وقوله: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} وأي وجمعناهم الأولين منهم والآخرين, فلم نترك منهم أحدًا لا صغيرًا ولا كبيرًا, كما قال: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} وقال: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} . وقوله: {وَعُرِضُواْ عَلَىَ رَبّكَ صَفًّا} يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفًا واحدًا, كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} ويحتمل أنهم يقومون صفوفًا, كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} وقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} هذا تقريع للمنكرين للمعاد, وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد, ولهذا قال تعالى مخاطبًا لهم: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لّن نّجْعَلَ لَكُمْ مّوْعِدًا} أي ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم, ولا أن هذا كائن.

وقوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير, والفتيل والقطمير, والصغير والكبير, {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ} أي من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة {وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا} أي يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا {مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا} أي لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا ولا عملًا وإن صغر, إلا أحصاها, أي ضبطها وحفظها. وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين, نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اجمعوا من وجد عودًا فليأت به, ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به"قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أترون هذا ؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا, فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة, فإنها محصاة عليه".

وقوله: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} أي من خير وشر, كما قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} الآية, وقال تعالى: {يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} وقال تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} أي تظهر المخبآت والضمائر. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد, حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به"أخرجاه في الصحيحين, وفي لفظ"يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته, يقال هذه غدرة فلان بن فلان".

وقوله: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبّكَ أَحَدًا} أي فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعًا, ولا يظلم أحدًا من خلقه بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم, ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله, ويملأ النار من الكفار وأصحاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت