{يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} أي قبل هذا الحال, {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} أي لم أخلق ولم أك شيئًا, قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل, {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر, وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: {وكنت نسيًا منسيًا} أي شيئًا لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من أنا. وقال الربيع بن أنس: {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} هو السقط. وقال ابن زيد: لم أكن شيئًا قط, وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} .
{فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزّىَ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْنًا فَإِمّا تَرَيِنّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيَ إِنّي نَذَرْتُ لِلرّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}
قرأ بعضهم: {مَن تحتها} بمعنى الذي تحتها, وقرأ الآخرون: {مِن تحتها} على أنه حرف جر, واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو ؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} جبريل, ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها, وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: إنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام, أي ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قال: عيسى بن مريم, وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها, وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها, قال: أو لم تسمع الله يقول: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره.
وقوله: {أَلاّ تَحْزَنِي} أي ناداها قائلًا لا تحزني {قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب {قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} قال: الجدول, وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السري النهر, وبه قال عمرو بن ميمون نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز, وقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر, واختار هذا القول ابن جرير.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع, فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني, حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي, حدثنا أيوب بن نهيك, سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول, سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن السري الذي قال الله لمريم {قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} ن هر أخرجه الله لتشرب منه"وهذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى, قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون المراد بالسري عيسى عليه السلام, وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر, وهو إحدى الروايتين عن قتادة, وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والقول الأول أظهر. ولهذا قال بعده: {وَهُزّىَ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ} أي وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة, قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى: كانت صرفانة, والظاهر أنها كانت شجرة, ولكن لم تكن في إبان ثمرها, قاله وهب