وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف, وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس, ولا أحد يدعي ملكًا ولا تصرفًا, بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم الحاكم فيهم, فلا تظلم نفس شيئًا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة. قال ابن أبي حاتم: ذكر هدبة بن خالد القيسي, حدثنا حزم بن أبي حزم القطعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد, فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت, فجعل مصيرهم إليه, وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي خلقه بعلمه وأشهد ملائكته على حفظه: إنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنّهُ كَانَ صِدّيقًا نّبِيًّا إِذْ قَالَ لأبيه يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَأَبَتِ إِنّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتّبِعْنِيَ أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشّيْطَانَ إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلرّحْمَنِ عَصِيًّا يَأَبَتِ إِنّيَ أَخَافُ أَن يَمَسّكَ عَذَابٌ مّنَ الرّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشّيْطَانِ وَلِيًّا}
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام,واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن. الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته, وقد كان صديقًا نبيًا مع أبيه, كيف نهاه عن عبادة الأصنام, فقال: {يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} أي لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا {يَأَبَتِ إِنّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} يقول: وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك, فاعلم أني قد أطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت, و لا أطلعت عليه و لا جاءك {فَاتّبِعْنِيَ أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} أي طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطلوب, والنجاة من المرهوب {يَأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشّيْطَانَ} أي لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام, فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به, كما قال تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} وقال: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} .
وقوله {إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلرّحْمَنِ عَصِيًّا} أي مخالفًا مستكبرًا عن طاعة ربه, فطرده وأبعده, فلا تتبعه تصر مثله {يَأَبَتِ إِنّيَ أَخَافُ أَن يَمَسّكَ عَذَابٌ مّنَ الرّحْمَنِ} أي على شركك وعصيانك لما آمرك به {فَتَكُونَ لِلشّيْطَانِ وَلِيًّا} يعني فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلا إبليس, وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء, بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك, كما قال تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَإِبْرَاهِيمُ لَئِن لّمْ تَنتَهِ لأرْجُمَنّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّيَ إِنّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَأَدْعُو رَبّي عَسَىَ أَلاّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبّي شَقِيًّا}
يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَإِبْرَاهِيمُ ؟} يعني إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها, فانته عن سبها وشتمها وعيبها, فإنك إن لم تنته