آتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ أي شهاب من نار. وفي الآية الأخرى {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ} وهي الجمر الذي معه لهب {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} دل على وجود البرد.
وقوله: {بِقَبَسٍ} دل على وجود الظلام, وقوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدًى} أي من يهديني الطريق, دل على أنه قد تاه عن الطريق, كما قال الثوري عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدًى} قال: من يهديني إلى الطريق, وكانوا شاتين وضلوا الطريق, فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحدًا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها.
{فَلَمّآ أَتَاهَا نُودِيَ يَمُوسَىَ إِنّيَ أَنَاْ رَبّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَ إِنّنِيَ أَنَا اللّهُ لآ إِلَهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ إِنّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىَ كُلّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىَ فَلاَ يَصُدّنّكَ عَنْهَا مَن لاّ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىَ}
يقول تعالى: {فَلَمّآ أَتَاهَا} أي النار, واقترب منها {نُودِيَ يَمُوسَىَ} وفي الآية الأخرى {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ} وقال ههنا {إِنّيَ أَنَاْ رَبّكَ} أي الذي يكلمك ويخاطبك {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} قال علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكي, وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة. وقال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة, وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل, وقيل غير ذلك, والله أعلم.
وقوله: {طُوًى} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو اسم للوادي, وكذا قال غير واحد, فعلى هذا يكون عطف بيان, وقيل عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه, وقيل: لأنه قدس مرتين, وطوى له البركة وكررت, والأول أصح كقوله: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً} . وقوله: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} كقوله: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} أي على جميع الناس من الموجودين في زمانه, وقد قيل: إن الله تعالى قال يا موسى أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس ؟ قال: لا, قال: لأني لم يتواضع إلي أحد تواضعك. وقوله: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَ} أي استمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك {إِنّنِيَ أَنَا اللّهُ لآ إِلَهَ إِلآ أَنَاْ} هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وقوله: {فَاعْبُدْنِي} أي وحدني, وقم بعبادتي من غير شريك {وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ} قيل: معناه صل لتذكرني, وقيل: معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي, ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة, عن أنس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها, فليصلها إذا ذكرها, فإن الله تعالى قال: {وأقم الصلاة لذكري} ", وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك". وقوله: {إِنّ السّاعَةَ آتِيَةٌ} أي قائمة لا محالة وكائنة لا بد منها.
وقوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} قال الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: أكاد أخفيها من نفسي, يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: من نفسه: وكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {أَكَادُ أُخْفِيهَا} يقول: لا أطلع عليها أحدًا غيري.