وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ, {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} , والآيات في هذا كثيرة جدًا.
{كَذَلِكَ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لّدُنّا ذِكْرًا مّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا}
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع, كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص, هذا وقد آتيناك من لدنا, أي من عندنا ذكرًا, وهو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه, تنزيل من حكيم حميد, الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم كتابًا مثله, ولا أكمل منه, ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن, وحكم الفصل بين الناس منه.
ولهذا قال تعالى: {مّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} أي كذب به وأعرض عن إتباعه أمرًا وطلبًا, وابتغى الهدى من غيره, فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم, ولهذا قال: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} أي إثمًا كما قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم, كما قال: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع, فمن اتبعه هدي ومن خالفه وأعرض عنه, ضل وشقي في الدنيا والنار موعده يوم القيامة, ولهذا قال: {مّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ} أي لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} أي بئس الحمل حملهم.
{يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لّبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا نّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لّبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا}
ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصور, فقال:"قرن ينفخ فيه". وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم, الدائرة منه بقدر السموات والأرض, ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام وجاء في الحديث"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته, وانتظر أن يؤذن له"فقالوا: يا رسول الله كيف نقول ؟ قال:"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا". وقوله: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقًا} قيل: معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} قال ابن عباس: يتسارون بينهم, أي يقول بعضهم لبعض: إن لبثتم إلا عشرًا أي في الدار الدنيا, لقد كان لبثكم فيها قليلًا عشرة أيام أو نحوها, قال الله تعالى: {نّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} أي في حال تناجيهم بينهم {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي العاقل الكامل فيهم {إِن لّبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا} أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد, لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها, كأنها يوم واحد, ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة, وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة, ولهذا قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ - إلى قوله - وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} الآية, وقال تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ