مقامعها. وقوله: {وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} كقوله: {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} ومعنى الكلام أنهم يهانون بالعذاب قولًا وفعلًا.
{إِنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَهُدُوَاْ إِلَى الطّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَىَ صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
لما أخبر تعالى عن حال أهل النار عياذًا بالله من حالهم وما هم فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال وما أعد لهم من الثياب من النار, ذكر حال أهل الجنة نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخله الجنة, فقال: {إِنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} أي تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها, يصرفونها حيث شاؤوا وأين أرادوا {يُحَلّوْنَ فِيهَا} من الحلية {مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} أي في أيديهم, كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكًا لو شئت أن أسميه لسميته يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة لو أبرز قلب منها - أي سوار منها - لرد شعاع الشمس كما ترد الشمس نور القمر.
وقوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم, لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه, كما قال: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورًا} وفي الصحيح"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا, فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"قال عبد الله بن الزبير: من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة, قال الله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} . وقوله: {وَهُدُوَاْ إِلَى الطّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ} كقوله تعالى: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام} وقوله: { وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} وقوله: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا} فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب, وقوله: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا} لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون به يقال لهم: {ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} . وقوله: {وَهُدُوَاْ إِلَىَ صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم كما جاء في الحديث الصحيح"إنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النّفس"وقد قال بعض المفسرين في قوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} أي القرآن وقيل: لا إله إلا الله وقيل: الأذكار المشروعة {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي الطريق المستقيم في الدنيا وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه والله أعلم.
{إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}