فقال: يا محمد مم يخلق الإنسان ؟ فقال:"يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة, فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب, وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم"فقال: هكذا كان يقول من قبلك.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة, فيقول: يا رب ماذا ؟ أشقي أم سعيد, أذكر أم أنثى ؟ فيقول الله, فيكتبان, ويكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه, ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص"وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو هو ابن دينار به نحوه, ومن طريق أخرى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه, والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة, حدثنا حماد بن زيد, حدثنا عبيد الله بن أبي بكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله وكل بالرحم ملكًا, فيقول: أي رب نطفة, أي رب علقة, أي رب مضغة, فإذا أراد الله خلقها قال: أي رب, ذكر أو أنثى ؟ شقي أو سعيد ؟ فما الرزق والأجل ؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه"أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به.
وقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} يعني حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال وشكل إلى شكل حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق, قال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود, حدثنا حماد بن سلمة, حدثنا علي بن زيد عن أنس قال: قال عمر, يعني ابن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} الآية, قلت أنا فتبارك الله أحسن الخالقين, فنزلت {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . وقال أيضًا: حدثنا أبي حدثنا آدم بن أبي إياس, حدثنا شيبان عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي, عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ - إلى قوله - خَلْقًا آخَرَ} فقال معاذ {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له معاذ: مم تضحك يا رسول الله ؟ فقال:"بها ختمت فتبارك الله أحسن الخالقين"وفي إسناد جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدًا, وفي خبره هذا نكارة شديدة, وذلك أن هذه السورة مكية, وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة, وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضًا, فالله أعلم. وقوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} يعني بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} يعني النشأة الآخرة {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} يعني يوم المعاد. وقيام الأرواح إلى الأجساد, فيحاسب الخلائق, ويوفى كل عامل عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ}
لما ذكر تعالى خلق الإنسان, عطف بذكر خلق السموات السبع, وكثيرًا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} وهكذا في أول {ألم} السجدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة في أولها خلق السموات والأرض, ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين, وفيها أمر المعاد والجزاء وغير ذلك من المقاصد.
وقوله: {سَبْعَ طَرَآئِقَ} قال مجاهد: يعني السموات السبع, وهذه كقوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ