فهرس الكتاب
مسروق قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها, فدخل حسان بن ثابت, فأمرت فألقي له وسادة, فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا ؟ يعني يدخل عليك, وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك, وقد قال الله {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قالت: وأي عذاب أشد من العمى, وكان قد ذهب بصره, لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم ثم قالت إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا يمتدحها به, فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت: أما أنت فلست كذلك, وفي رواية, لكنك لست كذلك, وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن قزعة, حدثنا سلمة بن علقمة, حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان, ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفء ؟ ... فشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغوًا ؟ قالت: لا إنما اللغو ما قيل عند النساء, قيل: أليس الله يقول {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم ؟ أليس قد ذهب بصره, وكنع بالسيف ؟ تعني الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك, فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله.
{لّوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَآ إِفْكٌ مّبِينٌ لّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}
هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السيء, وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى: {لّوْلآ} يعني هلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها {ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم, فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى. وقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما, كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار: إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها ؟ قال: نعم وذلك الكذب, أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله, قال: فعائشة والله خير منك, قال: فلما نزل القرآن ذكر عز وجل من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا, ثم قال تعالى: {لّوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ} الآية, أي كما قال أبو أيوب وصاحبته.
وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي حبيب عن داود بن الحصين عن أبي سفيان عن الأفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال: بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك ؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة والله خير منك, فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله عز وجل لّوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَآ إِفْكٌ