المشهور عنهما, وأما قوله {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} فقال سعيد بن جبير والسدي: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان, فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف. وقال الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم, ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه, فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل, إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم, وإنما نحن أمناء, فأنزل الله {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} .
وقوله {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي بيوت أصدقائكم وأصحابكم, فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك. وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه. وقوله {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل, والطعام هو أفضل من الأموال, فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد, فكف الناس عن ذلك, فأنزل الله {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ - إلى قوله - أَوْ صَدِيقِكُمْ} وكانوا أيضًا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره, فرخص الله لهم في ذلك, فقال {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} وقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية, حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فأنزل الله {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل.
كما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه, حدثنا الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع. قال:"لعلكم تأكلون متفرقين, اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه"ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم به, وقد روى ابن ماجه أيضًا من حديث عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن أبيه عن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة".
وقوله {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني فليسلم بعضكم على بعض. وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير, سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة, قال: ما رأيته إلا يوجبه. قال ابن جريج: وأخبرني زياد عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته فليسلم, قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم ؟ قال: لا, ولا آثر وجوبه عن أحد, ولكن هو أحب إلي وما أدعه إلا ناسيًا.
وقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله, وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد, إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: بسم الله والحمد لله, السلام علينا من ربنا, السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين, وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين, فإنه كان يؤمر بذلك, وحدثنا أن الملائكة ترد عليه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا عويد بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن أنس قال: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال قال:"يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك, وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك, وإذا دخلت - يعني بيتك"