يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء, المالك لأزمة الأمور, الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة, بل هم مخلوقون لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا, فكيف يملكون لعابديهم ؟ {وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} أي ليس لهم من ذلك شيء بل ذلك كله مرجعه إلى الله عز وجل الذي هو يحيي ويميت, وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} كقوله {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} وقوله {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه, ولا تنبغي العبادة إلا له لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, وهو الذي لا ولد ولا والد له ولا عديل ولا نديد, ولا وزير ولا نظير, بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
{وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَا إِلاّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوَاْ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىَ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنّهُ كَانَ غَفُورًا رّحِيمًا}
يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ} أي كذب {افْتَرَاهُ} يعنون النبي صلى الله عليه وسلم {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} أي واستعان على جمعه بقوم آخرين, فقال الله تعالى: { فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} أي فقد افتروا هم قولًا باطلًا, وهم يعلمون أنه باطل, ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} يعنون كتب الأوائل أي استنسخها {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} أي تقرأ عليه {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} أي في أول النهار وآخره, وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم يعلم كل أحد بطلانه, فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره, وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة, وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبره وأمانته وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة, حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره وإلى أن بعث الأمين, لما يعلمون من صدقه وبره, فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها, وحاروا فيما يقذفونه به, فتارة من إفكهم يقولون ساحر, وتارة يقولون شاعر, وتارة يقولون مجنون, وتارة يقولون كذاب, وقال الله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية, أي أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًا صدقًا مطابقًا للواقع في الخارج ماضيًا ومستقبلًا {الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ} أي الله الذي يعلم غيب السموات والأرض, ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} دعاء لهم إلى التوبة والإنابة وإخبار لهم بأن رحمته واسعة وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه, فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى, كما قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.