فهرس الكتاب

الصفحة 1850 من 2760

لهم, كما قال تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} الآية, وقال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ - إلى قوله - حُسُومًا - أي كاملة - فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} أي بقوا أبدانًا بلا رؤوس, وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء, ثم تنكسه على أم رأسه, فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه, كأنهم أعجاز نخل منقعر, وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات, وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم, فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئًا {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} ولهذا قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} الآية.

{كَذّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتّقُونَ إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ}

وهذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله صالح عليه السلام, أنه بعثه إلى قومه ثمود, وكانوا عربًا يسكنون مدينة الحِجْر التي بين وداي القرى وبلاد الشام, ومساكنهم معروفة مشهورة, وقد قدمنا في سورة الأعراف الأحاديث المروية في مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حين أراد غزو الشام, فوصل إلى تبوك ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك, وكانوا بعد عاد وقبل الخليل عليه السلام. فدعاهم نبيهم صالح إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له, وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة, فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه, وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرًا منهم, وإنما يطلب ثواب ذلك من الله عز وجل, ثم ذكرهم آلاء الله علهيم, فقال:

{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُوَاْ أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ}

يقول لهم واعظًا لهم, ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم, ومذكرًا بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة وجعلهم في أمن من المحذورات, وأنبت لهم من الجنات, وفجر لهم من العيون الجاريات, وأخرج لهم من الزروع والثمرات, ولهذا قال {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} . قال العوفي عن ابن عباس: أينع وبلغ, فهو هضيم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} يقول: معشبة. وقال إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن أبي عمرو - وقد أدرك الصحابة - عن ابن عباس في قوله {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال: إذا رطب واسترخى, رواه ابن أبي حاتم, ثم قال: وروي عن أبي صالح نحو هذا.

وقال أبو إسحاق عن أبي العلاء {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال: هو المذنب من الرطب, وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر, وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم, وأبا أمية, سمعت مجاهدًا يقول {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه, فهو من الرطب الهضيم, ومن اليابس الهشيم, تقبض عليه فتهشمه. وقال عكرمة وقتادة: الهضيم الرطب اللين. وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة وركب بعضها بعضًا, فهو هضيم. وقال مرة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر. وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له, وقال أبو صخر: ما رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم ؟ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض, فهو الهضيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت