أخلاقكم كما قسم أرزاقكم, وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب, ولا يعطي الإيمان إلا من يحب" {لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} أي لولا لطف الله بنا وإِحسانه إِلينا لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله {وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} يعنون أنه كان كافرًا, ولا يفلح الكافرون عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة, وقد اختلف النحاة في معنى قوله ههنا ويكأن, فقال بعضهم: معناه ويلك اعلم أن, ولكن خفف فقيل ويك ودل فتح أن على حذف اعلم, وهذا القول ضعفه ابن جرير, والظاهر أنه قوي ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة ويكأن, والكتابة أمر وضعي اصطلاحي, والمرجع إلى اللفظ العربي, والله أعلم, وقيل معناها ويكأن أي ألم تر أن, قاله قتادة. وقيل معناها وي كأن ففصلها وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه, وكأن بمعنى أظن وأحتسب. قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنها بمعنى ألم تر أن, واستشهد بقول الشاعر:"
سألتاني الطلاق إذ رأتاني ... قلّ مالي قد جئتماني بنكر
ويكأن من يكن له نشب يحـ ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر
{تِلْكَ الدّارُ الآخرة نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الّذِينَ عَمِلُواْ السّيّئَاتِ إِلاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول, جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوًا في الأرض أي ترفعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم ولا فسادًا فيهم, كما قال عكرمة العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو البغي. وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين: العلو في الأرض التكبر بغير حق, والفساد أخذ المال بغير حق. وقال ابن جريج {لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} تعظمًا وتجبرًا {وَلا فَسَادًا} عملًا بالمعاصي. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبي سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه, فيدخل في قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره, فإن ذلك مذموم, كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد"وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل, فهذا لا بأس به, فقد ثبت أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسنًا ونعلي حسنة, أفمن الكبر ذلك ؟ فقال:"لا, إن الله جميل يحب الجمال". وقال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} أي يوم القيامة {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} أي ثواب الله خير من حسنة العبد, فكيف والله يضاعفه أضعافًا كثيرة, وهذا مقام الفضل ثم قال: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} كما قال في الآية الأخرى: { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وهذا مقام الفضل والعدل.
إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدّكَ إِلَىَ مَعَادٍ قُل رّبّيَ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَىَ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ وَمَا كُنتَ تَرْجُوَ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاّ رَحْمَةً مّن رّبّكَ فَلاَ تَكُونَنّ ظَهيرًا