فهرس الكتاب

الصفحة 1897 من 2760

وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق.

وقوله تعالى: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني, وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار, ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى مذكرًا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} أي ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك {إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} أي إنما أنزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك, فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا} أي معينًا {لِلْكَافِرِينَ} ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ} أي لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله, فإن الله معلٍ كلمتك ومؤيد دينك ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان, ولهذا قال: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} أي إلى عبادة ربك وحده لا شريك له {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

وقوله: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي لا تليق العبادة إلا له, ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته, وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم, الذي تموت الخلائق ولا يموت, كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} فعبر بالوجه عن الذات, وهكذا قوله ههنا: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} أي إلا إياه. وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد:"

ألا كل شيء ما خلا الله باطل""

وقال مجاهد والثوري في قوله {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} أي إلا ما أريد به وجهه, وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له, قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:

أستغفر الله ذنبًا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل

وهذا القول لا ينافي القول الأول, فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة, والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس, فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر, حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا عمر بن سليم الباهلي, حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة, فيقف على بابها فينادي بصوت حزين, فيقول أين أهلك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} وقوله: {لَهُ الْحُكْمُ} أي الملك والتصرف ولا معقب لحكمه {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي يوم معادكم, فيجزيكم بأعمالكم إن خيرًا فخير, وإن شرًا فشر. آخر تفسير سورة القصص ولله الحمد والمنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت