الذين آمنوا بنوح عليه السلام, وقد تقدم ذكر ذلك مفصلًا في سورة هود, وتقدم تفسيره بما أغنى عن إعادته.
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} أي وجعلنا تلك السفينة باقية إما عينها, كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق كيف أنجاهم من الطوفان, كما قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ - إلى قوله - وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} وقال تعالى: { إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} وقال ههنا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس, كقوله تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين} أي وجعلنا نوعها رجومًا فإن التي يرمى بها ليست هي زينة للسماء, وقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} ولهذا نظائر كثيرة. وقال ابن جرير: لو قيل إن الضمير في قوله: {وجعلناها} عائد إلى العقوبة لكان وجهًا, والله أعلم.
{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاتّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنّ الّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُواْ عِندَ اللّهِ الرّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}
يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء, أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له والإخلاص له في التقوى وطلب الرزق منه وحده لا شريك له, وتوحيده في الشكر, فإنه المشكور على النعم لا مسدي لها غيره, فقال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ} أي أخلصوا له العبادة والخوف {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة, واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة, ثم أخبر تعالى أن الأصنام التي يعبدونها لا تضر ولا تنفع, وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء فسميتموها آلهة وإنما هي مخلوقة مثلكم, هكذا رواه العوفي عن ابن عباس, وبه قال مجاهد والسدي, وروى الوالبي عن ابن عباس: وتصنعون إفكًا أي تنحتونها أصناما, وبه قال مجاهد في رواية, وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم, واختاره ابن جرير رحمه الله. وهي لا تملك لكم رزقًا {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} وهذا أبلغ في الحصر كقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} ولهذا قال: أي فاطلبوا {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} أي لا عند غيره, فإن غيره لا يملك شيئًا {وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} أي كلوا من رزقه واعبدوه وحده, واشكروا له على ما أنعم به عليكم {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله.
وقوله تعالى: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} يعني إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة, والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء, فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء. وقال قتادة في قوله: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم, وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول واعترض بهذا إلى قوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} وهكذا نص على ذلك ابن جرير أيضًا. والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل عليه السلام, يحتج عليهم لإثبات المعاد