المراد بالبر هو البر المعروف, وبالبحر هو البحر المعروف. وقال زيد بن رفيع {ظَهَرَ الْفَسَادُ} يعني انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط, وعن البحر تعمى دوابه, رواه ابن أبي حاتم, وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن سفيان عن حميد بن قيس الأعرج عن مجاهد {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ} قال: فساد البر قتل ابن آدم, وفساد البحر أخذ السفينة غصبًا.
وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى, وبالبحر جزائره. والقول الأول أظهر وعليه الأكثرون, ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح ملك أيلة, وكتب إليه ببحره, يعني ببلده, ومعنى قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ} أي بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي. وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض, لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة, ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود"لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا"والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات, وإذا تركت المعاصي كان سببًا في حصول البركات من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية, وهو تركها, فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف, فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج, قيل للأرض: أخرجي بركتك, فيأكل من الرمانة الفئام من الناس ويستظلون بقحفها, ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس, وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في الصحيح أن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف عن أبي قحذم قال: وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد, صرة فيها حب, يعني من بر, أمثال النوى عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل, وروى مالك عن زيد بن أسلم أن المراد بالفساد ههنا الشرك, وفيه نظر. وقوله تعالى: {يُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} الآية, أي يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارًا منه لهم ومجازاة على صنيعهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي عن المعاصي, كما قال تعالى: {بَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ثم قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ} أي من قبلكم {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} أي فانظروا ما حل بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ الْقِيّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ مَرَدّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ يَصّدّعُونَ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ}
يقول تعالى آمرًا عباده بالمبادرة إلى الإستقامة في طاعته والمبادرة إلى الخيرات {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ الْقِيّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ مَرَدّ مِنَ اللّهِ } أي يوم القيامة إذا أراد كونه فلا راد له { يَوْمَئِذٍ يَصّدّعُونَ} أي يتفرقون, ففريق في الجنة وفريق في السعير, ولهذا قال تعالى: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} أي يجازيهم مجازاة الفضل, الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله {إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ} ومع هذا هو العادل فيهم الذي لا يجور.