فهرس الكتاب
كتاب مأثور صحيح, ولهذا قال تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مّنِيرٍ} أي مبين مضيء {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} أي لهؤلاء المجادلين في توحيد الله {اتّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ} أي على رسوله من الشرائع المطهرة {قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا} أي لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين, قال الله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} أي فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه, ولهذا قال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ الشّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىَ عَذَابِ السّعِيرِ} .
{وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ وَإِلَىَ اللّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُوَاْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ نُمَتّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمّ نَضْطَرّهُمْ إِلَىَ عَذَابٍ غَلِيظٍ}
يقول تعالى مخبرًا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه, ولهذا قال {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي في عمله باتباع ما به أمر, وترك ما عنه زجر {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} أي فقد أخذ موثقًا من الله متينًا لا يعذبه {وَإِلَىَ اللّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} أي لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به, فإن قدر الله نافذ فيهم, وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا, أي فيجزيهم عليه {إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ} فلا تخفى عليه خافية, ثم قال تعالى: {نُمَتّعُهُمْ قَلِيلًا} أي في الدنيا {ثُمّ نَضْطَرّهُمْ} أي نلجئهم {إِلَىَ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي فظيع صعب مشق على النفوس, كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} .
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ إِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ}
يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات والأرض وحده لا شريك له, ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له, ولهذا قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ} أي إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} . ثم قال تعالى: {لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ} أي هو خلقه وملكه {إِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ} أي الغني عما سواه. وكل شيء فقير إليه, الحميد في جميع ما خلق, له الحمد في السموات والأرض على ما خلق وشرع, وهو المحمود في الأمور كلها.
{وَلَوْ أَنّمَا فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللّهِ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ مّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}