والسلام معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج, فقال: أوضعت السلاح يارسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"نعم"قال لكن الملائكة لم تضع أسلحتها, وهذا الآن رجوعي من طلب القوم, ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة, وفي رواية فقال له: عذيرك من مقاتل أوضعتم السلاح ؟ قال:"نعم"قال لكنا لم نضع أسلحتنا بعد انهض إلى هؤلاء, قال صلى الله عليه وسلم:"أين ؟"قال: بني قريظة, فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم, فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوره, وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة, وكانت على أميال من المدينة, وذلك بعد صلاة الظهر, وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق, فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم, إلا تعجيل المسير, وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة, فلم يعنف واحدًا من الفريقين, وتبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه, وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه, ثم نازلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة, فلما طال عليه الحال, نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه, لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية, واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك, كما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع, حين استطلقهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فظن هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك, ولم يعلموا أن سعدًا رضي الله عنه كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق, فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب, وقال سعد رضي الله عنه فيما دعا به, اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها, وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأفجرها, ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة, فاستجاب الله تعالى دعاءه, وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبًا من تلقاء أنفسهم فعند ذلك استدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليحكم فيهم, فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه, جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد إنهم مواليك فأحسن فيهم, ويرققونه عليهم ويعطفونه وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال رضي الله عنه: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقهم, فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى سيدكم"فقام إليه المسلمون, فأنزلوه إعظامًا وإكرامًا واحترامًا له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم, فلما جلس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك, فاحكم فيهم بما شئت"فقال رضي الله عنه: وحكمي نافذ عليهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"نعم". قال وعلى من في هذه الخيمة ؟ قال:"نعم". قال وعلى من ههنا وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله , وهو معرض بوجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالًا وإكرامًا وإعظامًا, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم". فقال رضي الله عنه: إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وأموالهم, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة", وفي رواية"لقد حكمت بحكم الملك", ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأخاديد فخدت في الأرض, وجيء بهم مكتفين, فضرب أعناقهم وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة, وسبى من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم, وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذي أفردناه موجزًا وبسيطًا, ولله الحمد والمنة. ولهذا قال تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ} أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل, كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديمًا طمعًا في اتباع النبي الأمي الذين يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} فعليهم لعنة الله.