نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به, فمنهم رسول الله, ومنهم نبي , ومنهم نبي رسول, ونزل القرآن وهو كلام الله, وأنزلت العجمية والعربية, فعلموا أمر القرآن, وعلموا أمر السنن بألسنتهم, ولم يدع الله تعالى شيئًا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينه لهم, فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح, ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس, ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب, فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها, حتى وصل إليّ وإلى أمتي, ولا يهلك على الله إلا هالك, ولا يغفله إلا تارك, فالحذر أيها الناس, وإياكم والوسواس الخناس, فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا"هذا حديث غريب جدًا, وله شواهد من وجوه أخرى."
ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني, حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي, حدثنا أبو العوام القطان, حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري, عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن, وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - وكان يقول - وأيم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة ؟ قال رضي الله عنه: الغسل من الجنابة, فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره, وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري, عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي, عن أبي العوام عمران بن داود القطان به.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا تميم بن المنتصر, أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش, عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال - يكفر كل شيء إلا الأمانة, يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية, فيذهب به إلى الهاوية, فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها, فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم, حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين"قال: والأمانة في الصلاة, والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء, والأمانة في الحديث, وأشد ذلك الودائع, فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله ؟ فقال: صدق.
وقال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء, إسناده جيد, ولم يخرجوه. ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد. حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر, حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال, ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه, فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك, تراه منتبرًا وليس فيه شيء - قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال - فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلًا أمينًا, حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان, ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلمًا ليردنه علي دينه, وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه علي ساعيه, فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا