فهرس الكتاب

الصفحة 2072 من 2760

ابن ربعي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إن الله تعالى لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها, وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد, فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره, فذلك زيادة العمر". وقوله عز وجل: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} أي سهل عليه, يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته, فإن علمه شامل للجميع, لا يخفى عليه شيء منها.

{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ}

يقول تعالى منبهًا على قدرته العظيمة في خلقه لأشياء المختلفة خلق البحرين العذب الزلال , وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس من كبار وصغار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار والعمران والبراري والقفار, وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك {هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي مر وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار, وإنما تكون مالحة زعافًا مرة, ولهذا قال: {هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي مر. ثم قال تعالى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} يعني السمك {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} كما قال عز وجل: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}

وقوله جل وعلا: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي تمخره وتشقه بحيزومها وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو صدره, وقال مجاهد: تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام وقوله جل وعلا: {لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي بأسفاركم بالتجارة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم, وهو البحر, تتصرفون فيه كيف شئتم, تذهبون أين أردتم, ولا يمتنع عليكم شيء منه, بل بقدرته قد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض, الجميع من فضله ورحمته.

{يُولِجُ الْلّيْلَ فِي النّهَارِ وَيُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}

وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه, والنهار بضيائه, ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان, ثم يأخذ من هذا في هذا, فيطول هذا ويقصر هذا, ثم يتقارضان صيفًا وشتاء {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} أي والنجوم السيارات, والثوابت الثاقبات, بأضوائهن أجرام السموات, الجميع يسيرون بمقدار معين, وعلى منهاج مقنن محرر, تقديرًا من عزيز عليم {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً} أي إلى يوم القيامة {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} أي الذي فعل هذا هو الرب العظيم الذي لا إله غيره {لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} أي من الأصنام والأنداد التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين { مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وعطاء وعطية العوفي والحسن وقتادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت