فهرس الكتاب

الصفحة 2114 من 2760

يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيما أشد خلقًا هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة ؟ وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه أم من عددنا فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث ؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا كما قال عز وجل: { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: { إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ } قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة هو اللزج الجيد، وقال قتادة هو الذي يلزق باليد، وقوله عز وجل: { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ } أي بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت موقن مصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم ويسخرون مما تقول لهم من ذلك.

قال قتادة: عجب محمد صلى الله عليه وسلم وسخر ضلاّل بني آدم { وَإِذَا رَأَوْا آيَةً } أي دلالة واضحة على ذلك { يَسْتَسْخِرُونَ } قال مجاهد وقتادة يستهزئون { وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } أي إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ } يستبعدون ذلك ويكذبون به { قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ } أي قل لهم يا محمد نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تصيرون ترابًا وعظامًا وأنتم داخرون أي حقيرون تحت القدرة العظيمة كما قال تبارك وتعالى: { وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } . ثم قال جلت عظمته: { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ } أي فإنما هو أمر واحد من الله عز وجل، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم قياما بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، والله تعالى أعلم.

{وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ احْشُرُواْ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنّهُمْ مّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}

يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم { وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدّينِ } فتقول لهم الملائكة والمؤمنون { هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم ولهذا قال تعالى: { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } قال النعمان بن بشير رضي الله عنه يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم، وقال سفيان الثوري عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } قال إخوانهم. وقال شريك عن سماك عن النعمان قال: سمعت عمر يقول { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } قال: أشباههم. قال يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال خصيف عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أزواجهم نساؤهم وهذا غريب والمعروف عنه الأول كما رواه مجاهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت