{ وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ } قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان، وقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله تبارك وتعالى: { وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ } قال: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا ثم قرأ {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} وقوله تعالى: { إِنّمَا يُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفًا، وقال ابن جريج بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي { إِنّمَا يُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } يعني في الجنة. وقوله: { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } أي إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له { وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } قال السدي يعني من أمته صلى الله عليه وسلم.
{قُلْ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لّهُ دِينِي فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ قُلْ إِنّ الْخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتّقُونِ}
يقول تعالى قل يا محمد وأنت رسول الله { إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وهو يوم القيامة وهذا شرط معناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } وهذا أيضًا تهديد وتبرّ منهم { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ } أي إنما الخاسرون كل الخسران { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور { أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } أي هذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح ثم وصف حالهم في النار فقال: { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } كما قال عز وجل: { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } .
وقال تعالى: { يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وقوله جل جلاله: { ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } أي إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله تعالى: { يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
{وَالّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوَاْ إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَ فَبَشّرْ عِبَادِ الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ}
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا } نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ثم قال عز وجل: { فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام حين آتاه التوراة { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } . { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ } أي المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة { وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } أي ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة.