والحسن وقتادة والسدي وغيرهم { لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ } أي سلالم ودرجًا من فضة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } أي يصعدون ولبيوتهم أبوابًا أي أغلاقًا على أبوابهم { وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } أي جميع ذلك يكون فضة { وَزُخْرُفًا } أي وذهبًا، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.
ثم قال تبارك وتعالى: { وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى، أي يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب ليوافوا الآخرة، وليس لهم عند الله تبارك وتعالى حسنة يجزيهم بها كما ورد به الحديث الصحيح. وورد في حديث آخر"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء"أسنده البغوي من رواية زكريا بن منظور عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما أعطى كافرًا منها شيئًا"ثم قال سبحانه وتعالى: { وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } أي هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين صعد إليه في تلك المشربة لما آلى صلى الله عليه وسلم من نسائه فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس وقال:"أو فيّ شاك أنت يا ابن الخطاب ؟"ثم قال صلى الله عليه وسلم أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا"وفي رواية"أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة". وفي الصحيحين أيضًا وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة"وإنما خولهم الله تعالى في الدنيا لحقارتهم كما روى الترمذي وابن ماجه من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا"قال الترمذي: حسن صحيح."
{وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمَنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنّهُمْ لَيَصُدّونَهُمْ عَنِ السّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُم مّهْتَدُونَ حَتّىَ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظّلَمْتُمْ أَنّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ فَإِمّا نَذْهَبَنّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُم مّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنّكَ الّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مّقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالّذِيَ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنّكَ عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ وَإِنّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}
يقول تعالى: { وَمَن يَعْشُ } أي يتعامى ويتغافل ويعرض { عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ } والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد ههنا عشا البصيرة {نقيض له شيطانًا فهو له قرين} كقوله تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } الآية، وكقوله: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } وكقوله جل جلاله: { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } الآية، ولهذا قال تبارك وتعالى ههنا: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ