وتبارك، أي استقر له السلامة من العيوب والنقائص، لأنه الرب العلي العظيم المالك للأشياء الذي بيده أزمة الأمور نقضًا وإبرامًا. { وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي لا يجليها لوقتها إلا هو { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي فيجازي كلًا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. ثم قال تعالى: { وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } أي من الأصنام والأوثان { الشَّفَاعَةَ } أي لا يقدرون على الشفاعة لهم { إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } هذا استثناء منقطع. أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له. ثم قال عز وجل: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره { مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئًا ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل. ولهذا قال تعالى: { فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } .
وقوله جل وعلا: { وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ } أي وقال محمد صلى الله عليه وسلم، قيله أي شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه فقال يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى: { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } وهذا الذي قلناه هو قول ابن مسعود رضي الله عنه ومجاهد وقتادة، وعليه فسر ابن جرير، قال البخاري: وقرأ عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ } وقال مجاهد في قوله: {وقيله يا رب إن هؤلاء لا يؤمنون} قال يؤثر الله عز وجل قول محمد صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: هو قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه عز وجل. ثم حكى ابن جرير في قوله تعالى: { وَقِيلِهِ يَا رَبِّ } قراءتين إحداهما النصب، ولها توجيهان: أحدهما أنه معطوف على قوله تبارك وتعالى: { نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} والثاني أن يقدر فعل وقال قيله، والثانية الخفض وقيله عطفًا على قوله: { وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } وتقديره وعلم قيله. وقوله تعالى: { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ } أي المشركين { وَقُلْ سَلامٌ } أي لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيء، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلًا وقولًا { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } هذا تهديد من الله تعالى لهم، ولهذا أحلّ بهم بأسه الذي لا يرد وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب والله أعلم. آخر تفسير سورة الزخرف.