فهرس الكتاب

الصفحة 2313 من 2760

مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ أي أحدهما ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرًا عنهم: { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى } ولم يذكروا عيسى لأن عيسى عليه السلام أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بقصة نزول جبريل عليه الصلاة والسلام أول مرة فقال: بخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتني أكون فيه جذعًا. { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله: { يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} أي في الاعتقاد والإخبار { وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل، كما قال تعالى: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا } .

وقال سبحانه وتعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن { يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ } في الاعتقادات { وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } أي في العمليات { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ولهذا قال: { أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ } وقوله تعالى: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } قيل إن من ههنا زائدة وفيه نظر لأن زيادتها في الإثبات قليل، وقيل إنها على بابها للتبعيض { وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } أي ويقيكم من عذابه الأليم، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام وهو مقام تبجح ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثت عن جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة، والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله عز وجل: { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ } وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله جل وعلا: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم جزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضًا على ذلك قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا } وما أشبه ذلك من الآيات.

وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ولله الحمد والمنة، وهذه الجنة لا يزال فيها فضل ينشىء الله تعالى لها خلقًا أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحًا، وما ذكروه ههنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة والنار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشرع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح عليه الصلاة والسلام يقول لقومه: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً } ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة فكذلك هؤلاء. وقد حكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها، ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت