يُعَذّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا
اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال (أحدها) أنهم هوازن، رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعًا، ورواه هشيم عن أبي بشر عنهما وبه يقول قتادة في رواية عنه (الثاني) ثقيف، قاله الضحاك. (الثالث) بنو حنيفة، قاله جويبر ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري وروي مثله عن سعيد وعكرمة. (الرابع) هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه. وقال كعب الأحبار: هم الروم، وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: وهم فارس والروم، وعن مجاهد: هم أهل الأوثان، وعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: لم يأت أولئك بعد. وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن ابن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: هم البارزون قال وحدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة"قال سفيان: هم الترك، قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر، حدثنا ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة رضي الله عنه ففسر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر"قال: هم البارزون يعني الأكراد، وقوله تعالى: {قَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم، ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار. ثم قال عز وجل: {فَإِنْ تُطِيعُوا} أي تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه {يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ} يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم كالعمى والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ. ثم قال تبارك وتعالى مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ} أي ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش {يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم.
{لّقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}
يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية، قال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق أن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد ؟ قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم.
وقوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة {فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ} وهي