النار، فإذا قوم لا خير فيهم مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفة لا أجدها فينا ذكر الله تعالى قومًا فقال: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ونحن والله قليلًا من الليل ما نقوم، فقال له أبي رضي الله عنه: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ. وقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته صلى الله عليه وسلم يقول:"يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها"فقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لمن هي يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائمًا والناس نيام"وقال معمر في قوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} كان الزهري والحسن يقولان كانوا كثيرًا من الليل ما يصلون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ما ينامون. وقال الضحاك {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا} ثم ابتدأ فقال: {مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وهذا القول فيه بعد وتعسف.
وقوله عز وجل: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال مجاهد وغير واحد: يصلون وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار كما قال تبارك وتعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله ؟ حتى يطلع الفجر"وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال لبنيه {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} قالوا أخرهم إلى وقت السحر. وقوله تبارك وتعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة فقال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقّ} أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم. أما السائل فمعروف وهو الذي يبتدىء بالسؤال، وله حق كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"للسائل حق وإن جاء على فرس"ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به. ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعًا، وأما المحروم فقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم، يعنى لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك. وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة رضي الله عنهم: هذا المحروم وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما وعطاء بن أبي رباح: المحروم المحارف. وقال قتادة والزهري: المحروم الذي لا يسأل الناس شيئًا. قال الزهري وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان"