انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار {فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ} أي من هرب ولا نهوض {وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ} أي لا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه. وقوله عز وجل: {وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ} أي وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة من سور متعددة، والله أعلم.
{وَالسّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِن كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ فَفِرّوَاْ إِلَى اللّهِ إِنّي لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مّبِينٌ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنّي لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مّبِينٌ}
يقول تعالى منبهًا على خلق العالم العلوي والسفلي {وَالسّمَآءَ بَنَيْنَاهَا} أي جعلناها سقفًا محفوظا رفيعًا {بِأَيْدٍ} أي بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد {وَإِنّا لَمُوسِعُونَ} أي قد وسعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي {وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا} أي جعلناها فراشًا للمخلوقات {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} أي وجعلناها مهدًا لأهلها {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} أي جميع المخلوقات أزواج سماء وأرض وليل ونهار، وشمس وقمر وبر وبحر وضياء وظلام، وإيمان وكفر وموت وحياة وشقاء وسعادة وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} أي الجأوا إليه واعتمدوا في أموركم عليه {إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} أي لا تشركوا به شيئًا {إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِين} .
{كَذَلِكَ مَآ أَتَى الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رّسُولٍ إِلاّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ فَتَوَلّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ وَذَكّرْ فَإِنّ الذّكْرَىَ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِينُ فَإِنّ لِلّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ فَوَيْلٌ لّلّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الّذِي يُوعَدُونَ}
يقول تعالى مسليًا لنبيه صلى الله عليه وسلم وكما قال لك هؤلاء المشركون قال المكذبون الأولون لرسلهم: {كَذَلِكَ مَآ أَتَى الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رّسُولٍ إِلاّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} قال الله عز وجل: {تَوَاصَوْا بِهِ ؟} أي أوصى بعضهم بعضًا بهذه المقالة {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي لكن هم قوم طغاة تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي فأعرض عنهم يامحمد {فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} يعني فما نلومك على ذلك {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} أي إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة، ثم قال جل جلاله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي إنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا. وهذا اختيار ابن جرير وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي إلا للعبادة، وقال السدي: