أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح أنه حدثه عن قول الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} يقول حين تقوم من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيرًا، وإن كنت غير ذلك كان هذا كفارة له، وقد قال عبد الرزاق في جامعه: أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عثمان الفقير، أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، قال معمر: وسمعت غيره يقول هذا القول كفارة المجالس وهذا مرسل، وقد وردت مسندة من طرق يقوي بعضها بعضًا بذلك، فمن ذلك حديث ابن جريج عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك"رواه الترمذي، وهذا لفظه والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال إسناده على شرط مسلم، إلا أن البخاري علله، قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج، على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ورواه أبو داود، واللفظ له والنسائي والحاكم في المستدرك من طريق الحجاج بن دينار عن هاشم، عن أبي العالية عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بآخر عمره: إذا أراد أن يقوم من المجلس"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". فقال رجل: يا رسول الله، إنك لتقول قولًا ما كنت تقوله فيما مضى، قال:"كفارة لما يكون في المجلس"وقد روي مرسلًا عن أبي العالية، فالله أعلم.
وهكذا رواه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء، وروي مرسلًا أيضًا فالله أعلم، وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو أنه قال:"كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر، إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة وصححه، ومن رواية جبير بن مطعم، ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أفردت لذلك جزءًا على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله، وما يتعلق به ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل كما قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . وقوله تعالى: {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} قد تقدم في حديث ابن عباس، أنهما الركعتان اللتان قبيل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم أي عند جنوحها للغيبوبة. وقد روى ابن سيلان عن أبي هريرة مرفوعًا"لا تدعوها وإن طردتكم الخيل"يعني ركعتي الفجر، رواه أبو داود. ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب أحمد القول بوجوبهما، وهو ضعيف لحديث"خمس صلوات في اليوم والليلة"قال: هل علي غيرها قال:"لا إلا أن تطوع"وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر، وفي لفظ لمسلم"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
آخر تفسير سورة الطور ولله الحمد والمنة.