ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق"ورواه أبو داود عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه"ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث عن محمد بن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا أقول إلا حقًا"قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله ؟ قال:"إني لا أقول إلا حقًا".
{عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىَ ذُو مِرّةٍ فَاسْتَوَىَ وَهُوَ بالأفق الأعْلَىَ ثُمّ دَنَا فَتَدَلّىَ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىَ فَأَوْحَىَ إِلَىَ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىَ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىَ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىَ مَا يَرَىَ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىَ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىَ عِندَهَا جَنّةُ الْمَأْوَىَ إِذْ يَغْشَىَ السّدْرَةَ مَا يَغْشَىَ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىَ لَقَدْ رَأَىَ مِنْ آيَاتِ رَبّهِ الْكُبْرَىَ}
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه علمه الذي جاء به إلى الناس {شَدِيدُ الْقُوَىَ} وهو جبريل عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} وقال ههنا {ذُو مِرَّةٍ} أي ذو قوة، قاله مجاهد والحسن وابن زيد. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. ولا منافاة بين القولين فإنه عليه السلام ذو منظر حسن وقوة شديدة. وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي"وقوله تعالى: {فَاسْتَوَى} يعني جبريل عليه السلام، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} يعني جبريل استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح. وقال مجاهد هو مطلع الشمس. وقال قتادة: هو الذي يأتي منه النهار، وكذا قال ابن زيد وغيرهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مصرف بن عمرو اليامي أبو القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن طلحة بن مصرف، حدثني أبي عن الوليد هو ابن قيس عن إسحاق بن أبي الكهتلة، أظنه ذكره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين: أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق. وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد فذلك قوله: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} وقد قال ابن جرير ههنا قولًا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فاستوى أي هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، أي استويا جميعًا بالأفق الأعلى وذلك ليلة الإسراء، كذا قال ولم يوافقه أحد على ذلك، ثم شرع يوجه ما قاله من حيث العربية فقال وهو كقوله: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا} فعطف بالآباء على المكنى في كنا من غير إظهار نحن فكذلك قوله فاستوى وهو، قال وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:
ألم تر أن النبع يصلب عوده ... و لا يستوي والخروع المتقصف
وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام وتدلى إليه فاقترب منه