لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال:"فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل"وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه لأنه الأكمل وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى عليه السلام {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} وقد تقدمه مع ذلك وصف مسؤول كقول ذي النون {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول كقول الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء
والهداية ههنا والإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو أعطنا {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} أي بينا له الخير والشر، وقد تعدى بإلى كقوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة وكذلك قوله: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقد تعدى باللام كقول أهل الجنة {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلًا.
وأما الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه وذلك في لغة العرب فمن ذلك قال جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم
قال والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول، فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني يحيى بن يمان عن حمزة الزيات عن سعيد وهو ابن المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الصراط المستقيم كتاب الله"وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات وقد تقدم في فضائل القرآن فيما رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعًا"وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم"وقد روي موقوفًا على علي رضي الله عنه وهو أشبه والله أعلم: وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال الصراط المستقيم كتاب الله، وقيل هو الإسلام، قال الضحاك عن ابن عباس قال: قال جبريل لمحمد عليهما السلام"قل يا محمد اهدنا الصراط المستقيم"يقول ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه، وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال ذاك الإسلام، وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس