فهرس الكتاب
الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لّلْمُقْوِينَ فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ
يقول تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مّا تَحْرُثُونَ} وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي تنبتونه في الأرض {أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ} أي بل نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض. قال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقولن زرعت ولكن قل حرثت"قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ} ورواه البزار عن محمد بن عبد الرحيم عن مسلم الجرمي به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن عطاء عن أبي عبد الرحمن: لا تقولوا زرعنا ولكن قولوا حرثنا وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ} وأمثالها يقول: بل أنت يا رب. وقوله تعالى: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} أي نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا وأبقيناه لكم رحمة بكم بل ولو نشاء لجعلناه حطامًا أي لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} ثم فسر ذلك بقوله: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي لو جعلناه حطامًا لظللتم تفكهون في المقالة تنوعون كلامكم فتقولون تارة إنا لمغرمون أي لملقون، وقال مجاهد وعكرمة: إنا لموقع بنا. وقال قتادة: معذبون وتارة يقولون بل نحن محرومون. وقال مجاهد أيضًا: إنا لمغرمون ملقون للشر أي بل نحن محارفون، قاله قتادة، أي لا يثبت لنا مال ولا ينتج لنا ربح، وقال مجاهد: بل نحن محرومون أي محدودون يعني لا حظ لنا، وقال ابن عباس ومجاهد {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تعجبون. وقال مجاهد أيضًا: فظلتم تفكهون تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم، وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم، وهذا اختيار ابن جرير. وقال عكرمة: فظلتم تفكهون تلاومون، وقال الحسن وقتادة والسدي: فظلتم تفكهون تندمون، ومعناه إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب، قال الكسائي: تفكه من الأضداد، تقول العرب تفكهت بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت. ثم قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} يعني السحاب، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد {أم نحن المنزلون} يقول بل نحن المنزلون {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} أي زعافًا مرًا لا يصلح لشرب ولا زرع {فَلَوْلا تَشْكُرُونَ} أي فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبًا زلالًا {لَكُمُ منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فضيل بن مرزوق عن جابر عن أبي جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا شرب الماء قال:"الحمد لله الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا".
ثم قال: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} أي تقدحون من الزناد وتستخرجونها من أصلها {أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} أي بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها. وللعرب شجرتان (إحداهما) المرخ، (والأخرى) العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران فحك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار. وقوله تعالى: {نحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى، قال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا قوم ناركم هذه"