به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه، فلما قيل له أتؤمن بهذا ؟ قال آمنت به ويومىء إلى القرن بين ثندوتيه، ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب ؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن. وقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال.
{إِنّ الْمُصّدّقِينَ وَالْمُصّدّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}
يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة {وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا} أي دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله لا يريدون جزاءً ممن أعطوه ولا شكورًا، ولهذا قال: {يُضَاعَفُ لَهُمْ} أي يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، وفوق ذلك {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي ثواب جزيل حسن ومرجع صالح ومآب كريم. وقوله تعالى: {وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ} هذا تمام لجملة وصف المؤمنين با لله ورسله بأنهم صديقون، قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ} هذه مفصولة {وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} وقال أبو الضحى {أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ} ثم استأنف الكلام فقال: {وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ} وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم. وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ} قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصدقين والصديقين والشهداء، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} ففرق بين الصديقين والشهداء فدل على أنهما صنفان ولا شك أن الصديق أعلى مقامًا من الشهيد، كما رواه الإمام مالك بن أنس رحمه الله في كتابه الموطأ عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم"قال: يارسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال"بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين"اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك به، وقال آخرون: بل المراد من قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} فأخبر عن المؤمنين با لله ورسله بأنهم صديقون وشهداء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، ثم قال ابن جرير: حدثني صالح بن حرب أبو معمر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"مؤمنو أمتي شهداء"قال: ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ