فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 2760

وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: أن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، يرفع بها حكم هذه بالكلية، بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"قال ابن عمر: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدًا، وقال عبد بن حميد في مسنده: أخبرنا عبد الله عن مبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقول الله تعالى: يا بن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك"وقوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} أي مالًا، قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم، ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر كالوراثة ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جليلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قيل لعلي رضي الله عنه: أن رجلًا من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص ؟ قال: ليس بشيء إنما قال الله {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وقال أيضًا: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبده يعني ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عليًا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصِ ؟ فقال له علي: إنما قال الله {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} إنما ترك شيئًا يسيرًا فاتركه لوالدك، وقال الحاكم: أن أبان حدثني عن عكرمة عن ابن عباس {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} قال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا، قال الحاكم: قال طاوس: لم يترك خيرًا من لم يترك ثمانين دينارًا، وقال قتادة: كان يقال: ألفًا فما فوقها. وقوله: {بالمعروف} أي بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} فقال: نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضر الموت بالمعروف غير المنكر، والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدًا قال: يا رسول الله، أن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي ؟ قال:"لا"قال: فبالشطر ؟ قال"لا"قال: فالثلث ؟ قال"الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يكففون الناس"، وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الثلث والثلث كثير"وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطية، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم:"لا لا لا، الصدقة خمس وإلا فعشر وإلا فخمس عشرة وإلا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت