فهرس الكتاب

الصفحة 2539 من 2760

لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان عراك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم. وروي عن بعض السلف أن قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقول الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} أي في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وإعطائكم اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا جاء في الحديث"من دخل سوقًا من الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة"وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.

{وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ مّنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ}

يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا} أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا على المنبر إلا القليل منهم، وقد صح بذلك الخبر فقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: قدمت عير مرة المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلًا فنزلت {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضّوَاْ إِلَيْهَا} أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم به. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارًا"ونزلت هذه الآية {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا} وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وفي قوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا} دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائمًا. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس، ولكن ههنا شيء ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل، حدثنا محمود بن خالد عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، يعني فانفضوا ولم يبق معه إلا نفر يسير وقوله تعالى: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ} أي الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة {خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته.

آخر تفسير سورة الجمعة ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت