{ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } أي منا المؤمن ومنا الكافر. وقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه: حدثنا أسلم بن سهل بحشل، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان وهو أبو الشعثاء الحضرمي شيخ مسلم، حدثنا أبو معاوية قال: سمعت الأعمش يقول تروح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال الأرز، قال: فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدًا، فقلت فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم فقلت فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا. عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزني فقال هذا إسناد صحيح إلى الأعمش، وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال: سمعت بعض الجن وأنا في منزل لي بالليل ينشد:
مذاهبها في كل غرب وشارق
تهيم بحب الله والله ربها
معلقة بالله دون الخلائق
وقوله تعالى: { وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا } أي نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ } يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة، وقولهم { فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا } قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته كما قال تعالى: { فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا } { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ } أي منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } أي طلبوا لأنفسهم النجاة { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } أي وقودًا تسعر بهم.
وقوله تعالى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: (أحدهما) وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها { لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا } أي كثيرًا، والمراد بذلك سعة الرزق، كقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } وكقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } وعلى هذا يكون معنى قوله: { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي لنختبرهم، كما قال مالك عن زيد بن أسلم: لنفتنهم لنبتليهم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية.
(ذكر من قال بهذا القول) قال العوفي عن ابن عباس: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } يعني بالاستقامة الطاعة، وقال مجاهد { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } قال: الإسلام وكذا قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي، وقال قتادة { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا وقال مجاهد: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } أي: طريقة الحق، وكذا قال الضحاك واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي لنبتليهم به. وقال مقاتل: نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين.
(والقول الثاني) { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } الضلال { َأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَ } أي لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا، كما قال تعالى: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } وكقوله: { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ } وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد، فإنه قال في قوله تعالى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } أي طريقة الضلالة، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس وزيد بن