وقوله تعالى: { لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ } يعني لا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور.
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نّاعِمَةٌ لّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنّةٍ عَالِيَةٍ لاّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيّ مَبْثُوثَةٌ}
لما ذكر حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء فقال: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } أي يوم القيامة { نّاعِمَةٌ } أي يعرف النعيم فيها وإنما حصل لها ذلك بسعيها، وقال سفيان { لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } قد رضيت عملها. وقوله تعالى: { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } أي رفيعة بهية في الغرفات آمنون { لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً } أي لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو كما قال تعالى: { لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا } وقال تعالى: { لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ } وقال تعالى: { لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا } { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } أي سارحة وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينًا واحدة وإنما هذا جنس يعني فيها عيون جاريات. وقال ابن أبي حاتم: قرىء على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنهار الجنة تفجر من تحت تلال - أو من تحت جبال - المسك" { فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ } أي عالية ناعمة كثيرة الفرش مرتفعة السمك عليها الحور العين، قالوا فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له { وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ } يعني أواني الشرب معدة مرصدة لمن أرادها من أربابها. { وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ } قال ابن عباس: النمارق الوسائد، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك والسدي والثوري وغيرهم، وقوله تعالى: { وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } قال ابن عباس الزرابي البسط، وكذا قال الضحاك وغير واحد، ومعنى مبثوثة أي ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها، وذكر ههنا هذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي عن محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى، حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، وهي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية"قالوا: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن المشمرون لها، قال:"قولوا إن شاء الله"قال القوم: إن شاء الله، ورواه ابن ماجه عن العباس بن عثمان الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به.
{أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَىَ الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ إِلاّ مَن تَوَلّىَ وَكَفَرَ فَيْعَذّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ إِنّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}
يقول تعالى آمرًا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } فإنها خلق عجيب وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف وتؤكل وينتفع بوبرها ويشرب لبنها، ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف