دَكًّا دَكًّا أي وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال وقام الخلائق من قبورهم لربهم { وَجَآءَ رَبّكَ } يعني لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:"أنا لها أنا لها"فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك. وهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا. وقوله تعالى: { وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن العلاء بن خالد الكاهلي عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألفًا ملك يجرونها"وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن عمر بن حفص به. ورواه أيضًا عن عبد بن حميد عن أبي عامر عن سفيان الثوري عن العلاء بن خالد عن شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قوله ولم يرفعه، وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة عن مروان بن معاوية الفزاري عن العلاء بن خالد عن شقيق عن عبد الله قوله. وقوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ } أي عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه { وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } أي وكيف تنفعه الذكرى { يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } يعني يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصيًا ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعًا كما قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك، حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لو أن عبدًا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرمًا في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. قال الله تعالى: { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } أي ليس أحد أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه { وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } أي وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم عز وجل، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: {يا يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ } أي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته { رَاضِيَةً } أي في نفسها { مَرْضِيَّةً } أي قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها { فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } أي في جملتهم { وَادْخُلِي جَنَّتِي } وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، فكذلك ههنا. ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان، وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. وقال العوفي عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة { يا يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} يعني صاحبك وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا { رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } وروي عنه أنه كان يقرؤها {فادخلي في عبدي وادخلي جنتي} وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول لقوله تعالى: { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقّ } { َأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ } أي إلى حكمه والوقوف بين يديه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث عن جعفر عن سعيد