الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهودًا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي فهي لك، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجل صاحب الدار فقال له"النخلة لك ولعيالك"قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله عز وجل: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - إلى قوله - فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } إلى آخر السورة، هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جدًا.
قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه: حدثنا هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعفاء فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد - أظنه قال - ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } . وقوله تعالى: { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى } قال مجاهد: أي إذا مات وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار.
{إِنّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىَ وَإِنّ لَنَا للآخرة والأولى فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظّىَ لاَ يَصْلاَهَآ إِلاّ الأشْقَى الّذِي كَذّبَ وَتَوَلّىَ وَسَيُجَنّبُهَا الأتْقَى الّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكّىَ وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىَ إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبّهِ الأعْلَىَ وَلَسَوْفَ يَرْضَىَ}
قال قتادة: { إِنّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىَ } أي نبين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله وجعله كقوله تعالى: { وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } حكاه ابن جرير، وقوله تعالى: { فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى } أي الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما وقوله تعالى: { فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى } قال مجاهد: أي توهج. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول:"أنذرتكم النار"حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه". رواه البخاري. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا". وقوله تعالى: { لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى } أي لا يدخلها دخولًا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى ثم فسره فقال: { الَّذِي كَذَّبَ } أي بقلبه { وَتَوَلَّى } أي عن العمل بجوارحه وأركانه.