فسرها بالخيل هو إيقاد النار بالمزدلفة. قال ابن جرير: والصواب الأول أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.
وقوله تعالى: { فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله, وقال من فسرها بالإبل هو الدفع صبحًا من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله: { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا } هو المكان الذي حلت فيه, أثارت به الغبار إما في حج أو غزو وقوله تعالى: { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا } قال العوفي عن ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك: يعني جمع الكفار من العدو, ويحتمل أن يكون فوسطن بذلك المكان جميعهن ويكون جمعًا منصوبًا على الحال المؤكدة, وقد روى أبو بكر البزار ههنا حديثًا غريبًا جدًا, فقال: حدثنا أحمد بن عبدة, حدثنا حفص بن جميع, حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلًا فأشهرت شهرًا لا يأتيه منها خبر, فنزلت { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } ضبحت بأرجلها { فَالمُورِيَاتِ قَدْحًا } قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا { فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا } صبحت القوم بغارة { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا } أثارت بحوافرها التراب { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا } قال: صبحت القوم جميعًا. وقوله تعالى: { إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } هذا هو المقسم عليه بمعنى إنه بنعم ربه لكفور جحود قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وأبو الجوزاء وأبو العالية وأبو الضحى وسعيد بن جبير ومحمد بن قيس, والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الكنود الكفور, قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم الله عليه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كريب, حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" { إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } ـ قال ـ الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده"رواه ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن الزبير, وهو متروك فهذا إسناد ضعيف, وقد رواه ابن جرير أيضًا من حديث حريز بن عثمان عن حمزة بن هانى عن أبي أمامة موقوفًا. وقوله تعالى: { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان, قاله محمد بن كعب القرظي فيكون تقديره وإن الإنسان على كونه كنودًا لشهيد أي بلسان حاله أي ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله كما قال تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } .
قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } أي وإنه لحب الخير وهو المال لشديد, وفيه مذهبان (أحدهما) أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال (والثاني) وإنه لحريص بخيل من محبة المال وكلاهما صحيح. ثم قال تبارك وتعالى مزهدًا في الدنيا ومرغبًا في الاَخرة ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال وما يستقبله الإنسان من الأهوال: { أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ } أي أخرج ما فيها من الأموات { وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } قال ابن عباس وغيره: يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم { وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } أي لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون ومجازيهم عليه أوفر الجزاء ولا يظلم مثقال ذرة.
أحر تفسير سورة العاديات, ولله الحمد والمنة.