أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"اختر منهن أربعًا"، وهذا الإسناد حسن: ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثله لما للحديث من الشواهد. (حديث آخر في ذلك) قال الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول أخبرني عبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن عن عوف بن الحارث عن نوفل بن معاوية الديلي رضي الله عنه، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اختر أربعًا أيتهن شئت وفارق الأخرى"فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها. فهذه كلها شواهد بصحة ما تقدم من حديث غيلان كما قاله البيهقي رحمه الله. وقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، أي فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى، {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري السراري فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج، وقوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} قال بعضهم ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم، قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي رحمهم الله، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} أي فقرًا {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} وقال الشاعر:
فما يدري الفقير متى غنا ه ... و ما يدري الغني متى يعيل
وتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر ولكن في هذا التفسير ههنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري أيضًا والصحيح قول الجمهور {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} أي لا تجوروا، يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ...
له شاهد من نفسه غير عائل
وقال هشيم عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير، وقد روى ابن أبي حاتم وأبو حاتم ابن مردويه وابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا محمد بن شعيب عن عمر بن محمد بن زيد عن عبد الله بن عمر عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} قال:"لا تجوروا"قال ابن أبي حاتم: قال أبي، هذا حديث خطأ، والصحيح: عن عائشة موقوف، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي مالك وأبي رزين والنخعي والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: لا تميلوا، وقد استشهد عكرمة رحمه الله ببيت أبي طالب الذي قدمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة، وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدًا واختار ذلك. وقوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة المهر، وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: نحلة فريضة، وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة أي فريضة. زاد ابن جريج: مسماة، وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق، ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك كما يمنع المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالًا طيبًا، ولهذا قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ